الاسهم الامريكية

بورصة نيويورك .. من «وسطاء الرصيف» إلى أكبر ملتقى رأسمالي يحدد مصير الاقتصاد العالمي

عندما نتحدث عن بورصة نيويورك، فإن حديث “المليارات” يختفي ويغيب، ويحل محله حديث “التريليونات”، وفيها لا يتوقف الأمر عند حديث التريليونات، بل يمتد إلى احتكار مجموعة من الصفات المميزة مثل أضخم البورصات وأكبرها والأكثر أهمية.
ومن بين 144 بورصة حول العالم تتربع بورصة نيويورك ذات التاريخ، الذي يمتد إلى العقد الأخير من القرن الـ18 على قمة البورصات العالمية، والأكثر أهمية أن تخليها عن مكانتها تلك يبدو مستبعدا في العقدين القادمين وربما أكثر، فهي البورصة التي تتجه لها أعين الشركات العالمية للإدراج والتسجيل فيها، وكذلك الأكثر متابعة لأخبارها وتطوراتها وأسعار الأسهم فيها.
كما أنها البورصة، التي ترنو إليها كبرى الشركات والمستثمرون والمضاربون وأقطاب الرأسمالية العالمية، ففيها وإلى حد كبير يتقرر مصير الاقتصاد الأمريكي يوميا ومعه يتقرر مصير الاقتصاد العالمي أيضا.
لم يأت بالطبع هذا المركز المميز من فراغ، فبورصة نيويورك، التي كانت تعرف في بدايتها باسم “وسطاء الرصيف”، حيث يقف الراغبون في إتمام عمليات البيع والشراء على الرصيف لإتمام عمليات التداول، كان نموها يعكس إلى حد كبير الصعود التدريجي والثابت للاقتصاد الأمريكي منذ أواخر القرن الـ18.
وقال لـ”الاقتصادية” آرثر ماتيس أستاذ سابق في التاريخ الاقتصادي ومحلل مالي، “لحظة الميلاد الحقيقية لسوق الاستثمار في الأوراق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية يعود إلى 1790، ففي هذا العام أصدرت الحكومة الاتحادية سندات لتسديد الديون المتراكمة عليها نتيجة الحرب، كانت قيمة السندات ضخمة بمعايير ذلك الوقت 80 مليون دولار”.
وأضاف “بعد عامين قام 24 من الوسطاء المتعاملين في الأوراق المالية بتوقيع اتفاق تحت “شجرة بوتنوود” فيما يعرف الآن باسم “وول ستريت” في مدينة نيويورك، وكان هذا الاتفاق البداية الحقيقية لظهور بورصة نيويورك، التي تم تشكيلها رسميا تحت اسم مجلس نيويورك للأوراق المالية 1817″.
وأوضح أنه على الرغم من أن بعض أسهم البنوك تم تداولها في الأيام الأولى لتلك البورصة، أغلب الأوراق المالية المتداولة كانت تتعلق بالسندات الحكومية الأمريكية الخاصة بالحرب، أما الاسم الحالي لها فلم يعلن عنه إلا عام 1863.
وبين أنه على الرغم من أن الأعوام التالية تضمنت مجموعة من الإصلاحات لدعم نشاط البورصة، كما أن اختراعات من قبيل التلغراف، عززت التداولات، فإن بورصة نيويورك لم تكن الوحيدة في الولايات المتحدة، وكانت تجد منافسة شرسة من بورصات أخرى، لكنها أفلحت في تحيد خصومها والتغلب عليها.
واستدرك آرثر ماتيس قائلا: المشترون والبائعون أرادوا جميعا إتمام المعاملات بأسرع وأرخص ما يمكن، وهذا يتطلب الحصول على الأسواق الأكثر تداولا وسيولة، وأفلحت بورصة نيويورك، مقارنة بالآخرين في استخدام نظام تداول أكثر حداثة، إضافة إلى أن اندماجها مع بعض منافسيها، ساعدها على امتلاك سيولة أكبر، والاندماج كان ضروريا لخفض حدة المنافسة، والحفاظ على تدفق عدد أكبر من طلبات التداول.
ولا شك أن بورصة نيويورك امتلكت خبرات ربما لم يمتلكها منافسوها الدوليون، فحمى الذهب واكتشاف النفط في الولايات المتحدة، والمضاربة في أسهم السكك الحديدية في القرن الـ19، كل هذا ساهم في زيادة الطلب على رأس المال وتحفيز التداول.
كما أن الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1865) منحت بورصة نيويورك فرصة ذهبية لتوفير الأموال للراغبين في التصنيع لإمداد المتقاتلين باحتياجاتهم من الأسلحة والمعدات، كل هذا مكنها من تراكم أشكال متنوعة من المعرفة والخبرة النادرة في مجال التعاملات المالية، فضلا عن الحرب العالمية الأولى والمشاركة الأمريكية، التي حسمت إلى حد كبير نتيجة الحرب العالمية الثانية، ولعبت دورا لا يستهان به في إنضاج بورصة نيويورك.
لكن حقيقية ما جعلها تحتل هذا الوضع المميز لها اليوم هو ما يعرف “بالثلاثاء الأسود” أو الكساد الكبير في 29 أكتوبر 1929، حيث خسر المستثمرون مليارات الدولارات في يوم واحد، ودخل الاقتصاد العالمي عقدا كاملا من الكساد غير المسبوق.
وهنا يقول لـ”الاقتصادية” الباحث الاقتصادي روبرت دين “على الرغم من أن الكساد الكبير لم يكن أول أزمة اقتصادية تضرب الولايات المتحدة، إلا أنه كان أول أزمة اقتصادية بهذا الحجم والقوة تضرب بورصة نيويورك والاقتصاد العالمي”.
وبين أن تلك الأزمة على الرغم مما نجم عنها من خسائر ضخمة، أدت تقريبا إلى انهيار سوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة، فإنها سمحت بإعادة تنظيم السوق والبورصة، كما أوجدت أرضية حقيقية ليس للتغلب على تلك الأزمات مستقبلا، لأنها جزء من الدورة الطبيعية للنظام الرأسمالي، ولكن من خفض معدلاتها، وإيجاد درجة أعلى من الشفافية.
ولفت إلى أنه منذ الكساد الكبير حتى اليوم تعرضت بورصة نيويورك لكثير من الأزمات المالية، ولكنها استطاعت دائما الخروج منها والتغلب عليها عبر تغير هيكلها للتلاؤم مع الأوضاع الجديدة، كما أن سياسة الاندماج جزء أصيل من نهج التفكير لها لتعزيز مكانتها الدولية، إذ سبق لها وأن اندمجت مع شركة “اركوبلوجواهولدنج” لتشكيل “مجموعة بورصة نيويورك” ومنذ ذلك الحين تواصلت عمليات الاندماج والاستحواذ على بورصات أمريكية وأوروبية منافسة لتنمو مكانتها وقدرتها الاقتصادية.
من جانبه، قالت ماري سميث المحللة المالية إنه على الرغم من تراجع قيمة البورصة السوقية من 30.1 تريليون دولار أمريكي 2018 إلى 22.9 تريليون العام الماضي، لتعاود الارتفاع هذا العام، إلا أنها لا تزال متفوقة على أقرب منافسيها بفارق كبير.
وبينت أنها يوميا توفر سوقا لبيع وشراء 9.3 مليون سهم من الشركات والأوراق المالية الأخرى، إضافة إلى ذلك تدرج بورصة نيويورك 82 في المائة من مؤشر S&P 500 و90 في المائة من مؤشر داو جونز الصناعي و70 من أكبر الشركات في العالم، ويدير تلك الامبراطورية 3000 موظف.
وقالت إنه من المنطقي بالطبع أن تستمد بورصة نيويورك الجزء الأكبر من قوتها بوصفها بورصة النظام الاقتصادي الأقوى عالميا، وعلى الرغم من أن الاقتصادات الناشئة والآسيوية منها على وجه التحديد، إضافة طبعا إلى الصين، أدت إلى تقليص حصة الولايات المتحدة من إجمالي الأسهم العالمية خلال الـ18 عاما الماضية من 50 في المائة إلى 43 في المائة، القيمة المالية للأسهم الأمريكية تبلغ 34 تريليون دولار، بينما باقي القيمة المالية للأسهم على مستوى العالم ككل تبلغ 44 تريليون دولار.
وأضافت، أنه على الرغم من أن هناك خمسة آلاف شركة أمريكية مسجلة في البورصة مقابل 25 ألف شركة عالمية، إلا أن الشركات الأمريكية أكبر بكثير، إذ يبلغ متوسط القيمة الرأسمالية المرجحة للشركات الأمريكية 176 مليار دولار، في حين أن متوسط رسملة الشركات الأجنبية أقل من ربع ذلك ولا يتجاوز 37 مليار دولار.
وأكدت أن تلك القوة الواضحة للاقتصاد الأمريكي- على الرغم من تراجعها النسبي- تجعل بورصة نيويورك في وضع مميز للغاية الآن وفي المستقبل المنظور.
ويشير بعض الخبراء الماليين إلى أن بورصة نيويورك تستمد الجزء الأكبر من قوتها من الأنماط الثقافية الاستثمارية في المجتمع الأمريكي، حيث إن 52 في المائة من الأسر الأمريكية يعد امتلاك الأسهم جزءا رئيسا في ثروتها المالية، مقارنة بـ 7 في المائة على سبيل المثال في الصين، ومن ثم، فإن سوق الأسهم يلعب دورا أكبر وأساسيا بكثير في الاقتصاد الأمريكي، مقارنة بعديد من الاقتصادات الأخرى.
وعلى مستوى المستثمرين، سواء الأفراد أو الشركات، تلك المفاهيم الثقافية تجعل من بورصة نيويورك، بصفتها البورصة الرائدة في الولايات المتحدة والاقتصاد الدولي، مكانة مهمة ومميزة في مجال زيادة التمويل الاستثماري، ويتضح ذلك عند مقارنة بورصة نيويورك ببورصة شنغهاي الصينية مثلا، فبينما بلغت نسبة الأسهم الأمريكية، التي تدار عبر مؤسسات بنحو 62 في المائة عام 2019، كان نحو 99.6 في المائة من إجمالي المستثمرين في الأسواق الصينية مستثمرين صغارا أفرادا وليس مؤسسات.
وتعليقا على ذلك، يقول آرثر ماتيس “إنه المؤشر الأبرز على حيوية الاقتصاد الأمريكي، ولذلك ستكون أضواء بورصة نيويورك آخر ما سيطفأ، إذا تخلت واشنطن يوما ما عن قيادة الاقتصاد العالمي”.

— to www.aleqt.com

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close
ارجو ترك اسمك لبدء المحادِثه ؟
اهلا بك ارجو ترك اسمك لبدء المحادثه